الحضارة القديمة في الهند
مقتطفات - تم النشر بتاريخ 20-08-2022
0

في عام 1924 أضاف السير “جون مارشال” فصلاً آخر الى التاريخ المبكر للهند، عندما اكتشف بقايا حضارة كانت مجهولة تماماً حتى ذلك الحين. فقد عثر في وادي الهندوس في غرب الهند على أطلال أربع مدن، كانت أهمها تسمى مدينة (موهنجو-دارو)، التي يرجع تاريخها الى نحو 3000 قبل الميلاد.

ويمكن مقارنة الحضارة في هذه المدن، بالحضارة التي كانت قائمة في نفس ذلك العهد في كل من مصر وسومر (في بلاد ميزبو تامبا)، وهناك أدلة على أنه كان ثمة اتصال بين هذه البلاد. وكانت المدن مبنية بالآجر، وكان بها حمامات، وآبار، ونظام محكم لتصريف المجاري.

كان هذا الكشف مثيراً بحق: فقد كان المعتقد من قبل أن الحضارة جاءت الى الهند على أيدي الهنود الآوروبيين (الآريين)، حوالي 1800 قبل الميلاد. وقد بينت الحفائر أنهم عند وصولهم قد وجدوا بلا ريب حضارة هندية كانت راسخة القدم قبل ذلك.

الدرافيديون
إن الشعب العريق الحضارة الذي وجده الآريون عندما غزوا شبه جزيرة الهند، يُعرف باسم الدرافيديين وهم جنس أسمر البشرة، كبير الأنف، متموج الشعر. والمدى الذي بلغته حضارتهم (وهي تعرف باسم حضارة وادي نهر الهندوس)، تدل عليه مخلفاتهم التي خرجت الى النور أثناء الحفر والتنقيب، فالأختام الرائعة من الذهب والعاج التي وجدت في أطلال مساكنهم، تبين أنهم كانوا صنّاعاً على درجة عظيمة من المهارة. ويبدو أنهم كانوا أول من استخدم عجلة الخزاف لصنع زهريات من الصلصال، وكثير من هذه الزهريات التي اكتشفت أثناء عمليات الحفر والتنقيب، كانت بالغة في شكلها حد الكمال، وكلها تقريباً محلاة برسوم هندسية أو بصور حيوانات خيالية غريبة. ومع ذلك، فبرغم أن حضارتهم كانت متقدمة هذا التقدم، إلا أن ليس هناك دليل على أنه كانت لهم أية دراية بالكتابة.

ويمكن العثور على سلائل الدرافيديين في الوقت الحالي في جنوبي الهند وفي شمال جزيرة سيلان، حيث اضطرهم ضغط الغزو المستمر من الشمال، الى التحرك جنوباً. وهم يتكلمون لغة الدرافيد، وهي اللغة الصعبة التي كان يتكلمها أسلافهم ولا يزالون يشبهونهم حتى الآن.

العلم والصناعة
إن الطب هو العلم الذي حققت فيه الهند تقدماً عظيماً منذ أقدم العصور. فالأبحاث والرسائل المكتوبة في الطب بلغة هندية، يرجع عهدها الى القرن السادس قبل الميلاد، هي تشتمل على أفكار متقدمة جداً عن الجهاز العصبي وأجهزة الهضم. وفي القرن الثاني قبل الميلا، قام “سو شروتا” وهو عالم هندي في الطب بجامعة بنارس، المدينة التي تعد من أقدس الأماكن في الديانة الهندوسية – قام بوضع رسالة هامة في الجراحة، وصف فيها بالتفصيل ما يربو على خمسين عملية جراحية مختلفة. ولقد كان الهندوس بارعين كذلك في الرياضيا، إذ اخترعوا الأعداد العربية (وقد سميت هكذا لأنها أُدخلت الى أوروبا على أيدي الرياضيين العرب). وكانت صناعة الحديد متقدمة بدرجة كبيرة، ومثلها في ذلك دباغة الجلود، وصناعة الصابون.

الهنود الآريون
من المحتمل أن الآريين وفدوا على الهند من سهول هنغاريا، أو من المناطق المحيطة ببحر قزوين. وقد غزوا الهند حوالي 1800 عام قبل الميلاد، وبحلول عام 1500 قبل الميلاد، كانوا قد احتلوا البلاد كلها. ويؤكد بعض الثقات أنهم حتى في هذه المرحلة، كانوا قوماً متحضرين الى حد ما، وبعد أن استتب لهم المقام في الهند، اندمجوا في الحضارة التي وجدوها هناك، والتي كان من المحقق أنها أكثر تقدماً من حضارتهم. وهكذا، فإن الحضارة القديمة امتزجت بحضارة الغزاة، لكي تنبثق منهما حضارة جديدة في أرجاء الهند كلها.

الكتب المقدسة في الهند
إن المصدر المكتوب الوحيد لتاريخ الهند القديم مستمد من الفيدا. وهي الكتب المقدسة في الهند، ويُعتقد أن أقدم هذه الكتب يرجع عهده الى تاريخ مبكر، حوالي عام 1500 قبل الميلاد، ورغم أنها تدور بصفة أساسية حول الأساطير، إلا أنها تمدنا بتفصيلات كثيرة عن التغييرات التي نتجت عن الغزو الآري. إن الفيدا معناها حرفياً هو (المعرفة الدينية)، وهذه الكتب متعلقة أساساً بالديانة، والكثير من كتب الفيدا اليت نعرف أنها كانت موجودة، لم يبق منها سوى أربعة فقط، ولكنها كافية لتزويدنا بالمعرفة عن الديانة البدائية في الهند، فقد كانت، مثل أكثر الديانات البدائية، ديانة متعلقة بالطبيعة أو بالأحرى كان هدفها هو تهدئة قوى الطبيعة التي كان الإنسان يعتمد في معاشه عليها. ومع أن الهندوسية قد تقدمت تقدماً عظيماً منذ ذلك العهد، فإن معتقداتها الأساسية يمكن أن ترد أصولها الى هذه الصورة البدائية من الدين، إذ كانت الألوهيات الرئيسية هي قوى الطبيعة المختلفة: السماء، والنار، والضوء، والرياح، والماء، والأرض. وكل من هذه القوى كان يعتقد فيه كشخص، ويعطى له اسم وفي المراحل المبكرة للهندوسية، كان أعم الأديان هو آجني (إله النار)، والتماثيل التي أقيمت له تمثله وله رأسان: رأس يمثل الموقد، والثاني يمثل النار، التي كانت توقد عند تُقدم القرابين الى الإله. على أن الهندوس القدماء لم يبنوا معابد لهذه الآلهة، وإنما كانوا يقيمون هيكلاً كلما أرادوا تقديم قربان (كانت الخيل من بين الحيوانات التي تُقدم للقرابين). من بين الخصائص التي تميز المعبد الهندوسي اليوم، الحوض الكبير الذي يغتسل فيه المتعبدون تطهيراً لأنفسهم، ومثل هذه الأحواض وجدت أيضاً في المدن التي شيدت في عهود حضارة (وادي نهر الهندوس)، وهكذا يبدو أن بعض الأفكار الهندوسية ذات تاريخ طويل جداً.

الديانتان الرئيسيتان
الهندوسية والبوذية، هما الديانتان الرئيسيتان في الهند، وإن كان يوجد عدد من المسيحيين، وخاصة في جنوب الهند، حيث يقال إن “سانت توماس” أسس أول كنيسة هناك.

وقد أصبحت الهندوسية على تعاقب القرون ديانة أكثر طهراً وفلسفة، واحتل ثلاثة آلهة مكان الصدارة هم براهما، وفشنو، وسيفا. وهذه الآلهة الثلاث كانت تمثل العمليات الأساسية للحياة والكون، أي الخليقة، والبقاء، والفناء. وكان براهما هو أقوى هذه الآلهة، ويصور في تماثيله وله أربعة وجوه، حتى يمكنه أن ينظر الى كافة الاتجاهات في وقت واحد. وكهنة براهما يقال لهم البراهمة، وكثير من الأساطير الهندوسية التي تدور حول الآلهة مثيرة للمشاعر الى حد بعيد، وتنطوي على معنى عميق. وفي القرن السادس قبل الميلاد، قام “سيدهارتا جوتاما” المعروف باسم بوذا أو (المستنير)، بالطواف في أرجاء الهند مبشراً بديانة أكثر تقدماً، عرفت بعد ذلك باسم البوذية، بيد أن هذه الديانة لم يعتنقها جميع الهنود، الذي بقي كثير منهم على الهندوسية، ولكن البوذية ما لبثت أن انتشرت انتشاراً سريعاً في كثير من البلاد الأخرى وبخاصة في الصين، التي لا تزال حتى اليوم تنتشر فيها الديانة البوذية انتشاراً واسعاً.

المعابد الهندية
تشتهر المباني الدينية في الهند القديمة بفخامتها وجمالها. وأقدمها لا يزيد عهده على القرن الثالث قبل الميلاد، نظراً لأن المباني التي أقيمت قبل ذلك قد زالت واختفت بسبب إقامتها من الخشب. وقد شيد كل من البوذيين والهندوسيين معابدهم الخاصة. فالبوذيون أقاموا أبراجاً على شكل هرم أو قبة سموها (أسطبة)، في كل مكان له صلة ببوذا، لتضم تذكاراً مقدساً عزيزاً لمؤسس الديانة. والهندوسيون أقاموا المعابد لأكبر آلهتهم، ومن أشهر المعابد، ذلك المعبد الذي أقيم في (اليورا) في جنوب الهند، وقد بدأ بناؤه عام 765 بعد الميلاد، وهو مكرس للإله سيفا، وهذا المعبد الذي تم نحته في الصخر بصورة تكاد تنطق بالحياة، يعد بحق إحدى عجائب العالم، ويتجشم السائحون من بلاد العالم طولاً وعرضاً مشاق الرحلات لمشاهدة التماثيل الرائعة المنحوتة في المعبد، ذلك أن كل جدار من جدرانه مزدان بالتماثيل المنحوتة المجسمة التي تمثل حادثة في حياة الإله. كما أن من أشهر المعابد الهندية، المعبد المقام في (جايا)، حيث يعتقد أن بوذا بشّر بديانته الجديدة لأول مرة في ذلك المكان، والمعبد مشيد على شكل هرم، ويبلغ ارتفاعه نحو 150 قدماً، وفي داخل المعبد أضيئت المصابيح إضاءة لا تنقطع أمام تمثال لبوذا.


المصدر: موسوعة المعرفة